ابو البركات
292
الكتاب المعتبر في الحكمة
منهم حتى يرى ويحدث عنه ويروى فكيف ان تطول أعمارهم حتى يعرفون ويعرفون ويخبرون ويخبرون وتسير اخبارهم وتفشو آثارهم وقد كنا أوضحنا ان أرواحنا انما جعلت في افئدتنا التي في بواطن أجسادنا الموقاة بالعظام واللحم والأغشية والجلد الموثقة بالعصب والرباط لتتحيز عما يشاركها من الهواء في حيزها وتنحفظ من الخارق المآزق والمحلل المفرق المبدد لأجزائها وتحفظ شخصها بالبدل المخلف عليها عوض ما يتبدد ويتحلل فكيف تبقى هذه الروح في الهواء بغير حاو يحويها ومحيز يحيرها ومادة تمدها مع تحليل الحر واحراقه وتكثيف البرد واجماده بل مع عواصف الرياح التي تقلع الأشجار وتهدم الجدار فكيف لا تمزقها وتفرقها وتبددها وتشتت اجزائها والمصادمات من اشخاص النبات والحيوان كيف لا يؤثر فيها ولو أمكن ذلك في هذه الأرواح لأمكن في غيرها من أرواح الحيوانات خصوصا الانسان فكان لا يحتاج إلى جسد كثيف حاو متحيز محيز فان العلم الحقيقي دل على أن الروح التي هي محل نفس الانسان هي الجسد الأول والبدن الذي عليه المعول وما بعدها من كثيف الجسد كالعظم واللحم والجلد بل من الكبد والقلب وغيرهما هو بعدها ولها ومن اجلها . هذا كان محصول نظري في قديم انظارى وافكارى وكنت ادفع به وامنع واحتج به وارفع مع الرافعين وأبطل القول بهم مع المبطلين وأرى انى ارجع من ذلك إلى حبل متين ودليل مبين يجهله من لم يصل نظره اليه وما سمعت لاحد حجة بغيره ولا به ولا ردا عليه وها انا الآن الذي أعارضه بنظر أعلى وتأمل مستقصى . فأقول ان الروح الذي نعرفه في أجسادنا مع كونه محفوظا في القلب لا يبقى زمانا بشخصه الواحد بعينه بل يتحلل ويتبدد بوجوده ويستمد به لا يخلف ما يتحلل ويتبدد بالاستنشاق من الهواء ومزجه بما يتصعد اليه من لطيف الاخلاط فلا يبقى كذلك بغير ذلك لأنه يسخن ويتكدر بالحرارة البدنية « 1 » البخارات الغليظة من الاجزاء الخلطية فتخرجه القوة بالنفخ وتعيد بدله باردا صافيا يمتزج
--> ( 1 ) صف - المذيبة .